مجمع البحوث الاسلامية

264

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

كان قبلك وسكنت فيما عمره ، فإنّ الإنسان إذا علم أنّه يطول عمره أحكم ما يعمله وحرص على ما يكسبه . وأمّا في جانب الآخرة فإنّه حثّ على إخلاص العمل ، وحضور النّيّة والقلب في العبادات والطّاعات والإكثار منها ، فإنّ من يعلم أنّه يموت غدا يكثر من عبادته ويخلص في طاعته ، كقوله في الحديث الآخر : « صلّ صلاة مودّع » . قال بعض أهل العلم : المراد من هذا الحديث غير السّابق إلى الفهم من ظاهره ، لأنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إنّما ندب إلى الزّهد في الدّنيا ، والتّقليل منها ، ومن الانهماك فيها والاستمتاع بلذّاتها ، وهو الغالب على أوامره ونواهيه فيما يتعلّق بالدّنيا ، فكيف يحثّ على عمارتها والاستكثار منها ! وإنّما أراد - واللّه أعلم - أنّ الإنسان إذا علم أنّه يعيش أبدا قلّ حرصه ، وعلم أنّ ما يريده لن يفوته تحصيله بترك الحرص عليه والمبادرة إليه ، فإنّه يقول : إن فاتني اليوم أدركته غدا ، فإنّي أعيش أبدا ، فقال عليه الصّلاة والسّلام : اعمل عمل من يظنّ أنّه يخلّد فلا يحرص في العمل ، فيكون حثّا له على التّرك والتّقليل بطريقة أنيقة من الإشارة والتّنبيه ، ويكون أمره لعمل الآخرة على ظاهره ، فيجمع بالأمرين حالة واحدة وهو الزّهد والتّقليل ، لكن بلفظين مختلفين . وقد اختصر الأزهريّ هذا المعنى فقال : معناه تقديم أمر الآخرة وأعمالها حذار الموت بالفوت على عمل الدّنيا ، وتأخير أمر الدّنيا كراهية الاشتغال بها عن عمل الآخرة . وفي حديث عبد اللّه : « احرثوا هذا القرآن » أي فتّشوه وثوّروه . والحرث : التّفتيش . وفيه : « أصدق الأسماء الحارث » لأنّ الحارث هو الكاسب ، والإنسان لا يخلو من الكسب طبعا واختيارا . ومنه حديث بدر : « اخرجوا إلى معايشكم وحرائثكم » أي مكاسبكم ؛ واحدها : حريثة . [ ثمّ ذكر كلام الخطّابيّ وحديث معاوية « 1 » وقال : ] وهذا يخالف قول الخطّابيّ « 2 » ، وأراد معاوية بذكر نواضحهم تقريعا لهم ، لأنّهم كانوا أهل زرع وسقي ، فأجابوه بما أسكنه تعريضا بقتل أشياخه يوم بدر . ( 1 : 359 ) القرطبيّ : والحرث : اسم لكلّ ما يحرث ، وهو مصدر سمّي به ، تقول : حرث الرّجل حرثا ، إذا أثار الأرض لمعنى الفلاحة ، فيقع اسم الحراثة على زرع الحبوب وعلى الجنّات ، وعلى غير ذلك من نوع الفلاحة . ( 4 : 35 ) أبو حيّان : والحرث : مصدر حرث يحرث ، وهو شقّ الأرض ليبذر فيها الحبّ ، ويطلق على ما حرث وزرع ، وهو مجاز في نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ . والحرث : الزّرع ، والحرث : الكسب . والحرائث : الإبل ؛ الواحدة : حريثة . ( 1 : 249 ) الفيّوميّ : حرث الرّجل المال حرثا من باب

--> ( 1 ) تقدّم ذكره في قول أبي عبيد . ( 2 ) ذكر الخطّابيّ لفظ « الحرائث » في هذا الحديث - كما تقدّم عنه - بمعنى أنضاء الإبل ، واحدتها حريثة ، وأصله في الخيل إذا هزلت ، وهو أحد قوليه ، والقول الثّاني ما ذكره ابن الأثير ، فلا معنى لقوله : « وهذا يخالف قول الخطّابيّ » .